وعدت أضع رأسي على صدره بهدوء لأستمع لتوسلات قلبه وهو يصرخ راجيا أن أرحم نبضه الثائر ..
ونمت..
وحين أستيقظت في الصباح وجدته ينظر لي ويداعب خصلات شعري ..
أخبرته قائلة : أعتقد بأني بخير , شكرا لبقائك بجانبي.. بامكانك تركي الآن .
أجابني بابتسامه هادئة ولم يتحرك .
احتار الصمت وتساءل .. ترى من منا سيقطعه أولا ؟؟ , حتى قررت أنا طلب بعض الماء ..
فتحرك متسولي أخيرا وأحضره لي .
اعتدلت في جلستي وساعدني هو على ذلك ..
وما ان جلست باعتدال وتناولت بعض الماء حتى نظرت له بخجل وهو يراقبني .. فضحك هو وسألني : ما بكِ؟ لما تنظرين الي هكذا ؟.
فقلت بتردد: لا شيء .. ثم أكملت قائلة: هذه المرة الأولى التي يغمرني بها أحد, شكرا لعطفك واهتمامك .
ظهرت علامات التعجب على وجهه فقال: لم أحتضنك بسبب عطفي عليك .. احتضنتك لأني أود ذلك .
أربكني كلامه فركزت نظري على يدي , وبدأت أصب توتري على أظافري التي لفت تقصفها انتباهي ..
فانتبه هو لذلك وأخذ يضحك قائلا : كما أنه كان لدي صراع مع خصلات شعرك العنيدة طوال الليل , فكلما كنت أحاول تقييدها بعيدا عن ملامحك .. كانت تُصر على معاندتي فتنسدل لتحجب عني عيناكِ .
فابتسمت وقلت : يبدو أن كل شيء فيَ عنيد مثلي .. أتعلم حين كنت صغيرة , كان لي مربية قاسية جدا , وذات مرة وبعد عودتي من مدرستي حيث لم أكن أبلغ حينها سوى ثمانية أعوام , قررت أن أغني أغنية كنت قد سمعت احدى صديقاتي تغنيها ونالت اعجابي , أتعرفها ؟
اسمها (Hello) للمغني الشهير ليونيل ريتشي .
فضحك متسولي وقال : نعم بالطبع أعرفها .
فقلت : طبعا بدأت بغنائها فسمعت مربيتي القاسية كلمات الأغنية وجن جنونها .. وأذكر أنها ضربتني بشدة يومها وصرخت في وجهي قائلة : الأطفال المهذبين لا يُسمح لهم بغناء هذه الأغاني فهي للكبار فقط .
ومنذ أن بلغت السن القانونية ومنزلي يعُج صخبا بهذه الأغنية كل صباح عنادا لتلك المربية.
فضحك ذلك المتسول بشدة وقال: يبدو أن طفولتك لم تختلف عن طفولتي كثيرا أيتها العنيدة .
فقلت : كانت مملة بعض الشيء بسبب غياب والداي الدائم .. ماذا عن طفولتك أنت ؟.
قال : توفي والداي وانا في الرابعة عشرة من عمري في حادث سير .. بسبب عطل في فرامل السيارة , وتركوا لنا أنا وأختي ذلك المنزل الذي نعيش فيه , تركت دراستي لمدة بعد وفاتهم لأن معاش والدي لم يكن يكفي سوى لدراسة أختي واتجهت للعمل في ميكانيكا السيارات حتى استطعت قبل فترة بسيطة الحصول على ذلك المرأب الصغير والعمل بشكل مستقل , وأطمح كثيرا الى انهاء تعليمي مستقبلا وتطوير عملي .. وفقط هذه كل حياتي باختصار.
بقيت أنظر له حتى قال لي : هل أخبرك سر ؟ .
قلت مبتسمه : بالطبع أخبرني .
قال: اليوم سيأتي زوج صديقتك الموقرة والتي هي أختي المزعجة .. ولكن لا تخبريها بذلك فهي مفاجأة .
قلت : حقا ؟! هذا رائع .. فقد أخبرتني منذ مده أنها تشتاق اليه , مؤكد ستكون مفاجأة رائعة .
فأجابني : فعلا ستكون مفاجأة رائعة .. لذا يجب أن أرحل الآن لاستقباله في المطار , وحاولي أنتِ أن لا تدعيها تعود مبكرا اليوم , أما أنا .. فسأعود اليك ليلا ,, وغمز لي وهو يسألني قائلا : اتفقنا ؟ .
فأجبته وأنا أغمز له أيضا قائلة : اتفقنا .
وما ان خرج حتى بدأت أفكر بكل شيء قاله لي , أخذت المرآة وأخذت أنظر لخصلات شعري العنيدة وأنا أحاول رفعها فتعاندني وتستلقي على وجهي دون أن تبالي .
حتى مر الوقت وأتت صديقتي وقالت : كيف حالك اليوم يا آنسة .
فسألتها بملل : متى ستتوقفين عن ذلك ؟.. أنتِ تعلمين.....
وقبل أن أكمل حديثي وضعت بسرعة ميزان الحرارة في فمي , ثم قالت: أتذكرين حين كنا بالمدرسة؟!! .. أتذكرين ذات مرة حين بكيت وأخبرتك بأني أشتاق لأمي .. ماذا قلتي لي عندها!! ,, ألم تقولي : نحن كصغار العصافير حين نستطيع الطيران يرحلون عنا آباءنا , أخبرتني بأني أستطيع المشي وحدي , ولذلك أمي رحلت لأنها تثق جيدا بأني سأعتني بنفسي , ومنذ ذلك الوقت وأنا أعتني بنفسي .. علمتني كيف أعيش, أخبريني الآن لما تودين الموت ؟ لما ؟؟.
سقطت دموعي وأخرجت ميزان الحرارة من فمي وقلت : أنا آسفة , قد اغتال اليأس حياتي.. لم يعلماني والداي المشي سوى داخل قصري فحسب , ولذلك حين سقطت خارجه.. فضلت الاستسلام ,, ولكن أعدك بأن أحاول .
احتضنتني عندها وقالت وهي تمسح دموعها وتبتسم مازحه : حسنا آنستي يجب أن تأخذي دوائك الآن .
بادلتها الابتسامه وقلت : سأفعلها وأنتحر للمرة ثانية ان لم تتوقفي عن مناداتي بآنستي .
أجابتني وهي تضحك : حسنا .. لا تنسي أخذ دوائك وأنا سأعود للمنزل الآن .
فتذكرت اتفاقنا أنا ومتسولي وأسرعت أقول : اسمعي أنا أشعر بعظامي تؤلمني .. هل من الممكن أن تأخذيني الى غرفة الأشعة؟ .
فأجابتني : حسنا ..لا بأس سنجري الأشعة اليوم .
فأسرعت أقول : أيضا أود أن تساعديني في أخذ حمام ساخن وغسل شعري وتبديل ملابسي فقد سئمت ملابس المشفى , انظري كم هي رثة وليست أنيقة .
أجابتني وهي تضحك ساخرة : أهلا بعودتك سيدة القصر .
وفعلا قمت بتأخيرها حتى قامت بكل ما طلبته منها وقبل أن ترحل سألتني : والآن أيتها المتطلبة .. هل تريدين شيئا آخر قبل أن أرحل ؟.
أجبتها : لا أشكرك أنا حقا ممتنة.. ولكن هل من الممكن أن تعيريني مشبك الشعر الخاص بكِ ؟؟ فأنا أود رفع شعري به وأعدك أن أحافظ عليه .
وأعارتني ذلك المشبك وما ان رحلت حتى بدأت أرفع به خصلات شعري لربما تتوقف عن عناد ذلك المتسول وحجب ملامحي عنه .
ومضى الوقت وانا أعيد تثبيت مشبك الشعر كل عشرة دقائق .. وتارة أرش العطر ثم أتألم , وتارة ارسم ابتسامتي على المرآة الصغيرة الخاصة بي وأتناسى الألم ..
أردت كثيرا مراسلة أمي عن طريق هاتفي النقال , لكن منذ يوم البحيرة ذاك وانا لا أذكر أين ذهب هاتفي , ومضى الوقت وأنا أفكر في كل ما مر بي ..
حتى أتى متسولي وقطع حبل أفكاري قائلا بتعجب : هل أنتِ بخير اليوم! أم أنكِ جميلة دوما أيتها الدمية ؟!.
ابتسمت وقلت : قد قيدت خصلات شعري حتى لا تصفها بالعنيدة .
ثم أكملت أسأله : ماذا عن المفاجأة ؟.
أجابني ضاحكا: ليتك رأيت ردة الفعل الدرامية لصديقتك حين رأت زوجها .
ثم أستدرك الأمر بسرعة وقال : يا الهي,, هناك من أصر على زيارتك .. قد نسيتها في الخارج, لحظة وأعود ؟؟
ثم خرج تاركا على وجهي العديد من علامات الاستفهام حول الزائر .
وعاد وقد أدخل فتاة لا أعرفها ثم قال : هذه الأنيقة تكون أخت زوج أختي.. وقد أصرت على زيارتك .
نظرت الى تلك الفتاة فوجدتها جميلة..
ولكنها مني أقصر ...
شعرها أسود ..
وما زالت الشمس تشرق من شعري الأشقر ...
عيناها الصغيرتين خضراء..
ولكن عيناي العسليتين أكبر ...
يلائمها فستانها البني..
و لن تجاريني ان ارتديت الأحمر ...
اقتربت مني وأهدتني الورود , لم أحبها منذ الوهلة الأولى , كانت تبالغ كثيرا في ردود فعلها وتعاملني وكأني طفلة أحتاج للعناية ... أو كأني عجوز مسنة في دار الرعاية ...
وأما ذلك المتسول فقد كان سعيد جدا بها , ولم يتوقف عن مبادلة الأحاديث معها
قالت تلك الفتاة توجه كلامها لذلك المتسول : يا الهي أرأيت ردة فعل أختك اليوم .. حقا اتمنى لو أحصل يوما على حبٍ كهذا ..
ثم أكملت حديثها تسأله : هل جربت يوما الحب ؟.
أجابها قائلا: أنا أؤمن بوجوده .. ثم نظر الي وسألني: ما رأيك أنت ِ أيتها الشاعرة .. هل أحبيتي يوما؟ .
نظرت لهما دون أن أهتم لمحور الحديث وقلت : أحبني الكثير, ولكني أتجاهل الحب دوما .. ولا أحب أحدا.
ضحكت تلك الفتاة قائلة : أنتِ حقا مغرورة .
رد ذلك المتسول بانفعال: أحيانا أتمنى لو أن هناك محكمة تحاكم من يتجاهل الحب .
أجبته : لو كان هناك محكمة للحب.. ربما سأخسر القضية .
سألني متعجبا : لماذا ؟؟ ألستِ تملكين من الغرور ما يكفي لتتجاهلي الحب؟! .
قلت بثقة : الحب ليس عادل ..دعنا نتخيل الموضوع ,, وماذا لو :
في قانون المحبين حكموا عليه اعدام...
فقلبي قاتل..
وبلغ من الغرور حد الاجرام ...
وقفت أدافع عن موكلي بإصرار و اهتمام ...
بدأت مرافعتي ويداي على قلبي تحية احترام ...
أبعدته عن كل من بالهوى يرمي ...
سيد القلوب وسيادته تعمي ...
لا حزن يعتصره ..
ولا لقلب أحدهم يُدمي ...
هو قلبي فكفاه فخرا انه باسمي ...
هوايته أسر العيون ...
يمشي بهدوء ذهابا وايابا ...
يغني ثقه ويرقص عذابا ...
على ألحان نبضات بحبه..
احتضرت اعجابا ...
فما ذنب قلب قد اعتزل الحب شبابا! ...
فجأة,, قاعة المحكمه دوت ازعاج ...
كُلاً يشكي ذاك القلب وكُلاً بهمه قد هاج ...
حتى صرخ قاضي الحب وقال بكل احراج ...
اني معجب فبالغرور اعدامك..
وبيدي الافراج ...
فأخبروني..
كيف أرسو بمركبي بعيدا عن الأمواج؟؟! ...
وكيف أنجو بقلبي ..
عائدة واياه كل الأدراج ؟؟؟ ...
ألستُ بذلك أخسرالقضية ؟؟؟؟...
لم تملك تلك فتاة بعد طرحي لسؤالي هذا سوى أن تصفق وتصرخ : يا الهي!! أنتِ حقا شاعرة .. وربما ذلك يُفسِر لي غرورك.
أما ذلك المتسول فظل ينظر لي صامتا ولم يُعلِق على حروفي المنثورة بكلمة .
وأما أنا فقد تملكني الملل من تواجد تلك الفتاة ومن ردود فعلها المبالغ بها , من ما اضطرني للتظاهر بالنعاس علها ترحل .
وفعلا وقفت تستأذن أن تغادر .. فأسرع ذلك المتسول ووقف ليعرض عليها أن يقوم بإيصالها الى منزلها .
فعادت هي تصر عليه بأنه لا داعي من أن يُتعب نفسه ويقوم بذلك .
أزعجني ذلك المشهد الممل والمفتعل , فقررت أن أفتعل مشهدا آخر وأتظاهر بالتعب والألم .
فبدى القلق على ذلك المتسول وهو يسألني قائلا : ما بكِ ؟ هل أنتِ بخير ؟
أجبته : عذرا.. ولكن هل تستطيع مناولتي وسادتي حتى أغمرها , ربما يخفف ذلك الألم .
نظر متسولي لتلك الفتاة بتردد فأسرعت تقول : لا بأس .. يجب أن تبقى معها .
ووجهت نظراتها لي ثم أكملت : أتمنى أن أراكِ قريبا بصحة وعافية .
أوصلها متسولي حتى خرجت ثم اقترب مني فقمت أنا بسحب مشبك الشعر من شعري وقلت : تُصبح على خير.
سألني : لما أطلقت العنان لخصلات شعرك ؟؟ .
أجبته : لأن شعري موجود على رأسي وليس على رأسك .. حين يكون على رأسك ففعل به ما تشاء .
ضحك بشدة ثم سحبني واحتضنني قائلا: توقفي عن عنادي أنتِ وخصلات شعرك الشقية .
ولا أعرف كيف غلبني النوم وانا هادئة وحين استيقظت صباحا ورفعت رأسي لأنظر اليه , وما ان التقت عيناي بعينيه حتى بدأ يغني ويقول:
Hello
, is it me you're looking for?
I can see it in your eyes
I can see it in your smile
You're all I've ever wanted, and my arms are open wide
'Cause you know just what to say
And you know just what to do
And I want to tell you so much, I love you
ابتسمت له وحاولت أن أختبئ خجلا منه فقال : ان اردتِ يوما الاختباء مني .. فاختبئي بي.
ثم أكمل بهدوء وهو يضحك من لفتاتي التي تحاول الفرار من عينيه وقال: جربيني لن تجدي مكانا آمن مثلي .
في تلك الأثناء طرقت صديقتي الباب ودخلت
حاولت دفعه بعيدا عني ولكن الألم منعني من استخدام قوتي
فسألتنا صديقتي : ما الذي يحدث هنا ؟
فقلت بسرعه موجهة كلامي اليه : أنت.. ألا تعرف كيف تفتح عِقدا للفتيات .
ابتسم بخبث قائلا : لا أعرف .. اخلعيه بنفسك.
قلت : نعم سأخلعه بنفسي .. ابتعد .
فابتعد عني متسولي ونظرت الينا صديقتي وكأن نظراتها تقول : لا أصدق هذا السيناريو الممل والمستهلك .
سألها ذلك المتسول قائلا : أين زوجك ؟.
ففتحت الباب وأدخلت زوجها الذي ألقى علينا التحية وعرفني به وأخبرني بأنه سمع الكثير والكثير عني ثم تبادل هو وذلك المتسول الحديث حتى استأذنا في الرحيل وخرجا معا لشرب القهوة .
وبعد رحيلهما .. اقتربت صديقتي مني وسألتني عن هاتفي النقال فأخبرتها بأني أضعته ولا أعلم حقا أين هو ,
فأخبرتني بأن والدتي تواصلت معها عبر احد مواقع التواصل الاجتماعي وسألتها عني , ثم أخبرتها بأنها قد أرسلت لي طرد ويجب أن أذهب لاستلامه من مكتب البريد .
سألتها ما اذا كنت أستطيع الخروج فأنا أشعر بأني بخير وسأعتني بنفسي خارج المشفى بشكل أفضل..
فأخبرتني أن الطبيب سيجري لي بعض الفحوصات وبعدها سيقرر موعد خروجي .
ثم سألتني قائلة : هل رأيتِ أخت زوجي .
فأجبتها : نعم قد جاءت البارحة .
فعادت تسألني قائلة : ما رأيك بها ؟
قلت : تسريحتها تقليدية وأعتقد بأنها ورثت فستانها عن جدتها .. فقد بدى لي وكأنه من أيام الستينات .
صرخت قائلة : توقفي عن ذلك هي ظريفة جدا .. اني حقا أُفكر في خطبتها لأخي .
لا أعلم لما عندها انتابني بعض الاستياء من ذلك الحديث , وما جعلني أستاء أكثر هو شعوري بأني متضايقة من ذلك .
تناولت الطعام أنا وصديقتي وبعدما رحلت قررت أن أضع حدا لمشاعري المتضاربة تلك .
وما ان اتى ذلك المتسول حتى قلت له : انا بخير اليوم .. بامكانك الرحيل .
وأعطيته ظهري وانا نائمة على سرير المشفى فقال : وان كنتي بخير سأبقى حتى نخرج معا من هذه المشفى .
قلت : رجاءً لا تُقحم نفسك في حياتي رغما عني فذلك يضايقني .
قال بتعجب : أقحم نفسي !.. هل تسمحين لي بسؤال ؟.. هل حقا قلبك صافي الاحساس محمي ؟
أجبته بغرور و بلا تردد : بالطبع هو كذلك .
فشعرت بمدى استياءه حين خرج من الغرفة مغلقا الباب خلفه بشدة
و في اليوم التالي لم يأتي , اجريت تلك الفحوصات وجاءت صديقتي وأخرجتني أخيرا من المشفى , طلبت منها أن توصلني الى مكتب البريد قبل ان نرحل للمنزل لاستلام ذلك الطرد من والدتي .
وفعلا استلمته وتفاجأت كثيرا حين وجدت أن ذلك الطرد عبارة عن تذكرة سفر مرفقة برسالة من والدتي تطلب مني فيها السفر اليها هي ووالدي , فعرفت حينها أن شتاء قلبي مع ذك المتسول وصديقتي قد انتهى.. وآن الرحيل .
كان سفري بعد ثلاثة أيام من ليلة خروجي من المشفى , وكان ذلك المتسول يتحاشى أن يراني ..
كان يعود متأخرا جدا للمنزل ويخرج منه في الصباح الباكر .
وللحقيقة ذلك علمني أني حقا أشتاق اليه كثيرا .
وأذكر أن في أحد تلك الأيام وتحديدا قبل موعد سفري بيوم , أتت الي صديقتي وأخبرتني أن هناك زائر يود رؤيتي أمام باب المنزل .
وصدمني كثيرا حين خرجت لأجده ذلك الأنيق وهو كالعادة يرتدي احدى معاطفه الأنيقة وينتظرني في الخارج .
سألته : ماذا تريد؟ .
فرحب بي قائلا: اهلا بشاعرتي الجميلة .
ابتسمت بسخرية واعدت سؤالي : ماذا تريد؟
أخبرني بأن متسولي قد أعاد له معطفه ثم أخرج هاتفي النقال من جيبه قائلا : أعتقد أن القدر يجمعنا دائما يا فتاة المظلة .. ألا تلاحظين ذلك ؟
فأخذت هاتفي منه وقلت : أعتقد بأن القدر يكره كثيرا سيارتك الرياضية ولذلك أعادك الي .
ثم التقطت حجرا من على الأرض ورميت به زجاج سيارته الأمامي حتى تحطم وقلت : الآن هي بحاجة الى خدمات .
وما ان قلت ذلك حتى انتبهت لتواجد متسولي وقدومه من خلف ذلك الأنيق.
أما ذلك الأنيق فقد ظل ينظر الي متفاجئ ما بين غضب وذهول .
دخلت الى المنزل وجلست بتوتر على الأريكة .. وبعد دقائق دخل متسولي ونظر الي بتركيز فقلت : حسنا .. لم أعتقد ان زجاج سيارته تلك سيُكسر بسهوله .
انفجر متسولي ضحكا وهو يسألني : حقا لم تعتقدي ذلك؟ .
ابتسمت ونظرت اليه كثيرا حتى خفت أن يكتشف مدى اشتياقي لضحكاته ولحديثنا الذي لا يخلو من العناد أبدا .
انسحبت بسرعه ودخلت الى غرفتي وكأني لا أبالي.. حاولت النوم وانا أحاول جاهدة أن أمحيه من بالي .. ولكن في اليوم التالي .. وانا أستعد لترك ذلك الشتاء ورائي وأحزم أمتعتي .. وجدت نفسي أبحث عنه وكأني أود الاحتفاظ به وحمله مع جميع أغراضي , شعرت بأن دموعي اختنقت في حنجرتي فأغرقت صوتي .. تساءلت : هل أحببت متسولي حقا ؟!..
احتضنت صديقتي وأنا أودعها وأسلم على زوجها وما زالت عيناي تبحث عنه ولا تراه
خرجت من المنزل وانا احاول سحب امتعتي خلفي وفجأة وجدت ذلك المتسول اخيرا ينتظرني في الخارج , وما ان رأيته حتى تركت تلك الأمتعة لتسقط أرضا
فاقترب مني متسولي كثيرا حتى وقف أمامي تماما
فدنى حتى أصبح وجهه قريباً من وجهي وقال: في المرة القادمة حين يقوم قط مثلي بإيقاف سيارة الأجرة لكِ , لا تقومي بالقاء أمتعتك أرضا .. فقد تتضرر .
فابتسمت له وقلت : سأشتاق لعنادنا الدائم .
ثم حمل تلك الأمتعة من أمامي بكل بساطه ونقلها الى سيارة الأجرة .. و أدخلني السيارة وركب بجانبي وأخبر السائق أن يتجه الى المطار.
وبقي كلانا صامتا في الطريق الى المطار .. حتى سألني : اذن ستسافرين ؟ .
قلت : نعم سأفعل أخيراً.
أسرع قائلا : هل ستعودين مرة أخرى ؟.
قلت له : لا أعرف .
وبقى بعد ذلك الصمت سيد الموقف بيننا حتى وصلنا الى المطار .
وحين وصلنا حمل لي أمتعتي ودخل معي الى صالة المسافرين في المطار ومازال الصمت يقيد شفاهنا .. كانت نظراتنا تحتال لتبني حبال التواصل بين أعيننا فتسمح لمشاعرنا بالتحدث , حتى علا مكبر الصوت وهو يُعلن عن رحلتي , فتركت يدي تمتد اليه لتصافحه .. ولكنه ...
ولكنه جذبني بقوة وقبلنَي فنجح في تحرير شفتاي فاندفعت اليه احتضنه وأتعلق به و أنا أبكي قائلة ..
قلبي ليس صافي الاحساس محمي .. أنا كاذبة ..
فأجابني قائلا : عوووووودي .. كفكفي الدموع في صمودي ...
ثم قبلني مرة أخرى وقال مازحا : هل ما زلت قطتك التي تُقبلينها رغم أنك تتحسسين منها ؟.
ضحكت من بين دموعي وقلت : أحبك .
فعاد يعلو في صالة المطار النداء الأخير على رحلتي ..
فقال بهلع : هل ستُسافرين ؟ .
أجبته : سأسافر ولكن بالطبع سأعود .
قال مسرعا : هاتفيني طوال الوقت .
قلت: بالطبع .
فعاد يقول : وراسليني كل يوم .
قلت له : بالطبع سأفعل .
وكانت آخر كلمة انتهى بها شتاء قلي ذاك هي : أحبك .